محمود توفيق محمد سعد

291

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

" . . . ( لينبذنّ ) : أي ليطرحن بعد موته طرح ما هو خفيف هين جدا على كل طارح ، كما دلّ عليه التعبير بالنبذ ، وبالبناء للمفعول ( في الحطمة ) أي الطبقة من النار التي من شأنها أن تحطم أي تكسر وتهشم بشدة وعنف كلّ ما طرح فيها ، فيكون أخسر الخاسرين وعبّر بها في مقابلة الاستعداد بالمال الحامل على الاستهانة بالخلق . قال الأستاذ " أبو الحسن الحرالّيّ " : " فلمعنى ما يختص بالحكم يسمى تعالى باسم من أسمائها من نحو جهنم ، فيما يكون مواجهة ، ومن نحو " الحطمة " فيما يكون جزاء لقوة قهر واستعداد بعدد ، ونحو ذلك في سائر أسمائها . " وعظّم شأنها بقوله : ( وما أدراك " . . . " ما الحطمة " . . . " نار اللّه " . . . " الموقدة ) . . . ولما وصف الهامز اللامز وصف الحاطم ، فقال سبحانه وتعالى ( التي ) ولمّا كان لا يطلع على أحوال الشيء إلا من قبله علما قال ( تطلع ) اطلاعا شديدا ( على الأفئدة ) جمع فؤاد : وهو القلب الذي يكاد يحترق من شدة ذكائه ، فكان ينبغي أن يجعل ذكاءه في أسباب الخلاص ، واطلاعها عليه بأن تعلو وسطه ، وتشتمل عليه اشتمالا بليغا سمي بذلك لشدة توقده . وخصّ بالذكر ؛ لأنه ألطف ما في البدن وأشده تألما بأدنى شيء من الأذى ولأنه منشأ العقائد الفاسدة ومعدن حب المال الذي هو منشأ الفساد والضلال ، وعنه تصدر الأفعال القبيحة " « 1 » يلمح " البقاعي " تناسبا عليّا بين مدلول مادة الفعل " نبذ " والجرائم التي اقترفها أولئك الهمّازون اللمازون المستهترون في جمع المال ، فكان عقابهم هوانا عظيما وكراهية بالغة تتعادل مع ما كان منهم وإذا ما نظرنا في المواضع التي أتت فيها مفردات هذه المادة في القرآن الكريم رأينا الغالب عليها ذلك المعنى مما يؤكد أنها تصطفى لإبرازه في السياق الذي ترد فيه : ( البقرة : 100 ، 101 ، آل عمران : 187 ، الأنفال : 58 ، القصص : 40 ، الذاريات : 40 ، القلم : 49 ) وكذلك البيان عن النار باسم الحطمة الجاهر بمدلول التحطيم والتكسير في عنف فيه تناسب عليّ مع السياق الذي جاءت فيه الآية وهي من فرائد القرآن الكريم التي لم تتكرر فيه « 2 »

--> ( 1 ) - نظم الدرر : 22 / 346 ( 2 ) - للقرآن الكريم فرائد لا تتكرر : كلمات : مادة وصيغة وموقعا ومدلولا ، وتراكيب وصورا ومشاهد قصصيّة وأحكاما شرعية . . . . جديرة بالتدبّر والتأويل البياني . وإنّي ما أزال في طور الجمع لهذه الفرائد من البيان القرآنيّ الكريم أعدادا لتدبرها وتأويلها تأويلا بيانيّا ، ولعلّ اللّه يعين ويسدد ويتقبل .